القائمة الرئيسية

أنصار النبي ﷺ .. تحيةً وسلاماً إلى سادتنا الراحلين!


محمد إلهامي
رئيس التحرير

 


👈 حمّل العدد كاملاً: bit.ly/3zchlOD


لقد شاء الله تعالى أن يصدر العدد الأول من مجلتنا مجلتنا "أنصار النبي ﷺ" في مطلع شهر ذي القعدة، في ذكرى حادثةٍ مغمورةٍ في نصرةِ نبينا ﷺ، وقعت في مصر قبل نحو قرنٍ ونصف القرن من الزمان!


كانت مصر في ذلك الوقت في خِضَمِّ الثورة القوية، التي عُرِفت فيما بعد بالثورة العُرابية، حيث كان أهل مصر قد ضَجُّوا من تسلطِ الأجانب واتساع نفوذهم المالي والقانوني والثقافي، لا سيما الفرنسيين والإنجليز، في ظل أسرة محمد علي والخديوي إسماعيل وابنه توفيق، ففي ذلك الزمن كان المصريون يعانون الفقر والقهر والطغيان، بينما خيرات البلاد وكنوزها يسيطر عليها الأجانب، الذين صاروا سادةً يستعملون أهل مصر كما يُستعمل العبيد، وكانت أجهزة الدولة التي يديرها موظفون مصريون، تحت رئاسة العناصر الأجنبية، تعمل بطاقتها الكاملة في ترسيخ الوجود الأجنبي وتعزيزه، حتى إن المحاكم القنصلية والمختلطة تستطيع أن تصدر حكما على الخديوي نفسه برهن أملاكه أو تجريده منها!


وبلغ الأمر إلى حدّ أن أصدرت صحيفة مصر (l’egypte) الناطقة بالفرنسية، والتي يُصدرها فرنسيٌ مقيم في مصر، عددَها في 2 أكتوبر 1881م، وهو يوافق (8 ذي القعدة 1298ه)، والذي حمل إساءةً إلى النبي ﷺ والخليفة الراشد عثمان بن عفان –رضي الله عنه-، حيث وصفه المحرر بأنه: "خليفة متعصب لنبيٍّ كاذب".


وقد تغاضت إدارة مراقبة المطبوعات الأجنبية، عن هذه الإساءة، وصدرت الصحيفة، وظلت متداولة حتى وقعت بيد أحد القراء، فإذا به يرسل بما حدث إلى جريدة المفيد، فانتشر الأمر، وتفاقم الغضب حتى خشي هذا المسيئ على نفسه فغادر البلاد، وأصدرت الحكومة المصرية أمرا بإغلاق هذه الجريدة، ولم يستطع السفير الفرنسي في مصر الاعتراض على هذا القرار!


وبسبب الأحداث الضخمة التي عاشتها مصر آنذاك، فقد انغمر هذا الخبر ونُسي، ولم يعد يُذْكَر ولا أمكن العثور عليه في أروقة المصادر إلا بصعوبة، ونحن حتى الآن لا نعرف اسم هذا القارئ الذي كان له فضل السبق في نصرة نبيه، وفضح هذه الصحيفة الفرنسية، ولا نعرف طبيعة ما حدث من غضب عام، فإنما مصادرنا فيها مسيحيٌ مُتمَصِّر وأجنبيٌ مستعمر (1)!


فنحن من ها هنا، ومن بعد مائةٍ وخمسةٍ وأربعين عاماً، نُرسل التحية إلى روح هذا الذي انتصر لنبيه، وأثار الأمر، حتى كان له الفضل في رحيل هذا الخبيث القبيح عن أرضها الطيبة!


ثم ها نحن بعد ذلك الزمن لا نزال نخوض ذات المعركة، مع نفس العدو، وفي ظل ذات الظروف، فلا تزال فرنسا تحمل على عاتقها عبء الطعن في نبينا ﷺ، ولا تزال القوى الأجنبية تفتتح في بلادنا المؤسسات ووسائل الإعلام التي تذرف الإساءة لنبينا ﷺ، ولا زال في الأمة من يغضب ويقاوم ويكافح لكي يلقى كل مسيئ عقوبته التي يستحقها! ولا تزال الأنظمة الحاكمة في بلادنا إما صنيعةً للأجانب، فهي تسعى في إرضائهم وتنفيذ رغباتهم بأشد وأسرع مما يطلبون، أو هي ضعيفةٌ خائرةٌ تشتري ودَّهم وتتجنبُ غضبتَهم!


وبسببٍ من هذا الضعف جرى إغلاق صحيفة إسلامية أخرى، هي صحيفة الحجاز!.. فكيف كان هذا؟!


لقد كانت الحكومة المصرية آنذاك، هي حكومة الثورة التي طالب بها الشعب، وفي طليعتهم الضباط المصريون بقيادة عرابي، وقد اضطر الخديوي توفيق إلى القبول بها لتهدئة الثورة، ومن جانبهم فإن الضباط قد طالبوا بمحمد شريف باشا لرئاسة هذه الحكومة، وهو شخصية وطنية محافظة غير ثورية، تؤمن بالقانون وتُقدِسه، وتعتمد طريق الإصلاح المتدرج البطيء من داخل أروقة النظام. كان الضباط يريدون بهذا الاختيار تولية شخصية نظيفة من أبناء النظام، ويهدفون بهذا إلى طمأنة السلطة أنهم لا يريدون قلبها وإزالتها، وسيكون هذا الاختيار واحداً من أهم أسباب فشل الثورة!


وجاء محمد شريف باشا، فكان بين ضغط ثورةٍ تريد إصلاحاً عاجلاً، وبين ضغط سلطةٍ تريده أن يكون أداتها ووسيلتها في إخماد هذه الثورة وتخديرها، ووراء هذه السلطة القُوَى الأجنبية التي شعرت بتهديدٍ خطيرٍ على نفوذها في مصر إذا نجحت هذه الثورة!


وحيث أن شريف باشا رجل قانون ودستور، وهو المعروف بــ "أبو الدستور المصري"، وليس رجل ثورة، فقد كانت أعماله على الحقيقة إخماداً لهذه الثورة وتخديراً لها، وانصياعاً وخضوعاً لضغط الخديوي والأجانب، فانحاز إلى الأجانب حتى في القضية الحساسة التي كانت من أهم أسباب تفجير الوضع، وهو أن الميزانية المصرية يضعها الخديوي والأجانب، ولا يتدخل البرلمان المصري لا في مراقبتها، ولا له حق الاعتراض عليها، وهو ما أدى إلى انفضاض الثورة الوطنية عنه، فاضطر إلى الاستقالة! وفقدت الثورة بهذا وقتا ثمينا، كان بإمكانها فيه أن تنجح نجاحا مؤزراً، وهذا هو الوقت الذي كانت بريطانيا وفرنسا قد استعدتا وأكملتا العدة في التآمر على غزو مصر.


ما يهمنا من هذا كله هو إغلاق صحيفة الحجاز..


لقد كانت الحكومة تشتري ودّ الأجانب، وتحرص على ألا يبدر منها أي شيء يمكن تفسيره على أنه تهديد لحياة الأجانب في مصر، وذلك كي تنزع من الدول الأجنبية أية ذريعة يمكن أن تكون مدخلهم إلى احتلال مصر، وفي النهاية ستخفق هذه الوسيلة، وسيصطنع الأجانب ذريعتهم بنفسهم، وسيختلقون شجاراً يتكئون عليه لتنزل جيوشهم وتستولي على مصر. في دليل جديد يثبت أن القوي إذا أراد شيئاً لم ينتظر زلة الضعيف، بل فعل ما يريد بذريعةٍ أو بغير ذريعة، فإن احتاج إلى ذريعةٍ اصطنعها واخترعها بنفسه، وما حديث الأسلحة النووية في العراق عنكم ببعيد!


كانت صحيفة الحجاز تنطق بلسان إسلاميٍ مبين، وكانت في ذروة هذه الثورة الإسلامية تحتج على أن يكون الأجانب المقيمين في مصر على قلة عددهم هم الثُلَّة المُدَلَّلَة التي تقرر مصير البلد، ويُتَّخذون ذريعةً لتخويف كل الناس من الاحتلال الأجنبي، وتنادي بالجامعة الإسلامية التي تعني أن مصر هي جزء من الدولة العثمانية، وأن الأمة الإسلامية كلها أمة واحدة، وتهاجم الأوروبيين وأنظمة حكمهم، وتنادي بأنه إذا خافت البلاد الأجنبية على رعاياها في مصر فلتأخذهم إليها، وتكون قد أمنت على رعاياها، كما تكون قد أدَّت لمصر كلها خدمة جليلة!


وكانت تناشد علماء الأزهر أن يقوموا بدورهم، وتُحيي فيهم وفي الناس ذكرى التاريخ الإسلامي العظيم، وتُدين من وصف التمسك بهذا التاريخ العظيم بأنه تعصب وتطرف، فهذا "التعصب" و"التطرف" هو الذي كنا في ظلاله أعظم وأكبر قوة في الدنيا، فلما تخلينا عن هذا الإيمان وهذا التاريخ صرنا نحن وبلادنا أسرى في أيدي الغرباء الأجانب، وما هذا إلا عقاب على ذنوبنا، وتخلينا عن هذا الإيمان.


باختصار: كانت صحيفة الحجاز من أشد الصحف المؤيدة للثورة، والداعمة لزعيمها الضابط الأزهري الإسلامي: أحمد عرابي.


ولكن حكومة شريف باشا، أغلقت صحيفة الحجاز في نفس اليوم الذي أصدرت فيه قرارها بإغلاق صحيفة "لإيجيبت" الناطقة بالفرنسية والتي أساءت إلى النبي ﷺ، كانت تريد أن "تُوازن" هذا القرار بهذا القرار، كي تسترضي الأجانب بإغلاق الصحيفة الإسلامية، ولكي لا يقع الظن لديهم بأنها حكومة إسلامية "متعصبة"! ستغلق صحف الأجانب!


وقد اختارت الحكومة إغلاق هذه الصحيفة، المؤيدة لعرابي، في الوقت الذي كان فيه عرابي في القاهرة، لتثبت للجميع، وفي طليعتهم هؤلاء الأجانب، أن السلطة الفعلية قد صارت لحكومة شريف باشا، وليست في يد عرابي، وأنها ليست واجهة، ولا ضعيفة أمام الثورة والثوار، وابتلع عرابي هذه الإهانة، وسكت الثوار عليها، رجاء أن يكون أسلوب سحب الذرائع مفيداً في مواجهة الخديوي والأجانب!


لقد كتب التاريخُ أن هذا الأسلوب قد أخفق، وفيما بعد، نُفي عرابي وقادة الثورة، وأما شريف باشا فقد عمل رئيسا للحكومة تحت سلطة الاحتلال الإنجليزي، بل عاد مصطفى رياض نفسه رئيسا للحكومة، وقد كان طغيانه من أهم أسباب تفجر الثورة، وضرب الإنجليز بكل المبادئ عُرْضَ الحائط، وظلوا في مصر لسبعين سنة!


نحن في هذا المقال، الذي يصدر في العدد الأول لمجلة "أنصار النبي ﷺ"، نريد إعادة الاعتبار، وإعادة التذكير بأولئك الذين ذهبوا ضحية معركتهم وكفاحهم في نصرة النبي ﷺ، إنهم أنصار النبي ﷺ المجهولون المغمورون الذين لم تنصفهم الأحداث..


لقد اختفى ذكر صحيفة الحجاز من سائر الكتب التي تؤرخ للصحافة الإسلامية وللصحافة العربية وللحوليات المصرية، فلم أجد لها أثراً في "تاريخ الصحافة الإسلامية" للأستاذ أنور الجندي مع أنه من أمثلة الصبر والدأب والتنقيب، ولا في "تاريخ الصحافة العربية" لفيليب دي طرازي وهو من خبراء الكتب والصحف والأرشيف الأوائل!


ومع طول البحث الذي حاولت فيه أن أحصل على معلومات عنها إلا أنني لم أفلح! ولست أعرف إلى لحظة كتابة هذه السطور من هو صاحبها، فضلاً عن الحصول على أعدادها التي صدرت في عام 1881م، قبل أن تغلق في هذا العام نفسه!


ولعل هذا المقال نفسه يكون دافعاً لباحث شاب موهوب، قريب من الأرشيف والوثائق، صبور على التفتيش والتنقيب والتقليب، حتى يعيد إحياء سيرة أنصار النبي ﷺ الأوائل، أولئك الذين تصدُّوا لأول موجة تنطلق من بلادنا نفسها للإساءة إلى نبينا ﷺ!


لقد كانت خسائرنا فادحة حين هُزِمت هذه الثُلَّة الأولى من أنصار النبي ﷺ، فلقد صار التهجم على النبي ﷺ عادة متكررة في مقاهي مصر وحواراتها الأدبية، بل صارت وسيلةً يتخذها السفيه لكي يشير إلى نفسه بالعقل والعلم والثقافة، وأنه ليس من المتعصبين، ولعل الذي قرأ كتاب "عبقرية محمد" قد رأى في سطوره الأولى، كيف كان التهجم على النبي أمرًا سهلاً، يقترفه الشاب المغرور دون أن يخشى هلاك نفسه، أو يخشى حتى عقوبةً رادعةً! فكان هذا التهجم الذي رآه العقاد هو سبب تأليفه هذا الكتاب!


نشرف الآن إذ نقدم هذا العدد الأول من مجلة "أنصار النبي ﷺ"، وهي التي تصدر عن "الهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام ﷺ"، والتي كانت ثمرة الجهد الشعبي العام، وانتفاضة الأمة للإساءات الفرنسية لنبينا ﷺ، ووُلِدَتْ الهيئة في ذكرى مرور العام على انطلاقة حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية، وعُقِد مؤتمرها التأسيسي في اسطنبول، أكتوبر 2021م.


وقد أسميناها "أنصار النبي ﷺ"، نحاول بهذا أن نجدد العهد، ونرفع الإصر، ونُذَكِّر بالموكب الطويل الشريف من أنصار نبينا ﷺ، منذ زمن الصحابة حتى زماننا هذا، نحاول أن نكون صوتا إسلاميا جديدا، صوتا أصيلا، يُحيى وينثر، وينشر حب نبينا ﷺ في القلوب والعقول، صوتاً يلقي الضوء على أولئك الأنصار الذين أبلغوا رسالة نبيهم ﷺ عبر العصور، لا سيما أولئك الذين قاموا بالحق في زمن الضعف والهزيمة، نحاول أن نكون صوتاً يعيد من جديد بعث أصوات الحق من علمائنا الراحلين، ومؤسساتنا العلمية العريقة، كما يعيد التذكير والتقدير للعلماء والدعاة الأسرى الذين غيَّبَتْهم السجون، وحالت دون أن يقوموا بواجبهم في نصرة النبي ﷺ.


ولهذا تنقسم صفحات هذه المجلة إلى ثلاثة أقسام:


فأما القسم الأول: فيكتبه أنصار النبي ﷺ من علماء الهيئة العالمية ودعاتها، ومن أحباب النبي ﷺ في كل مكان من الشرق والغرب!


وأما القسم الثاني: فنلتقطه ونستخرجه من مؤلفات وفتاوى علمائنا الراحلين، ومؤسساتنا العلمية العريقة كالأزهر في مصر، وجمعية العلماء المسلمين في الجزائر، وعلماء الزيتونة في تونس، وعلماء القرويين في المغرب، وندوة العلماء في الهند، وهيئة كبار العلماء في الجزيرة العربية، وغيرها من المؤسسات الكبرى التي مَثَّلت حصون الإسلام في زمانها، قبل أن تعدو عليها يد الزمان فتضعفها وتسعى في كسرها.


وأما القسم الثالث: فنلتقطه ونستخرجه من مؤلفات وفتاوى علمائنا الأسرى الذين كانت مواقفهم الشريفة القوية هي السبب في إنزالهم السجون والمعتقلات، فحيل بينهم وبين رسالتهم، ووُضِعت السدود والقيود دون دعوتهم، فلكي لا ينحبس الصوت الحر الشريف، ولكي لا يُكمَّم القول الصادق الأمين، ولكي لا تُحبس كلمة الحق، ولكي يعلموا أن إخوانهم من خلفهم لم ينسوهم، ولم يغفلوا عنهم، لهذا كله فإننا نعيد بعث ما نشروه وكتبوه من جديد!


ولا يتم هذا العمل إلا بجهد القارئ الكريم، جهده في القراءة والتأمل، والنصح والإرشاد، والنشر والإذاعة والترويج، وكذلك بجهده في الانتقاء والاختيار..


فمن كان يرجو الله واليوم الآخر فليساعدنا بما استطاع..

فإن رأى شيئا يستحق النصح، فرحم الله رجلاً أهدى إلينا عيوبنا!

وإن رأي في صفحاتنا ما يستحق النشر فليعمل جهده على النشر، فالدال على الخير كفاعله!

وإن كان عنده مزيد علمٍ من المواد النافعة للعلماء الراحلين، أو مؤسساتنا الإسلامية العريقة، أو علمائنا الأسرى، فليرسل به إلينا!

وإن أحب أن يكتب إلينا بما يحب نشره فليكتب، وسيرى إن شاء الله أننا سنتقبله بقبولٍ حسنٍ، ونتعامل معه كخير ما يكون التعامل!


نسأل الله تعالى أن يبارك هذا العمل، وهذا الجهد، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم! وأن يشرِّفَنا بنصرة نبينا الكريم، وأن يجعلنا ممن يشفع فيهم يوم القيامة، وأن يسقِيَنا بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً!


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


  1. جمعنا أجزاء هذه الواقعة في: سليم النقاش، مصر للمصريين، 4/208؛ اللورد كرومر، مصر الحديثة، 1/287، 288. وانظر إشارة عابرة للحادثة عند: إسماعيل سرهنك، حقائق الأخبار في دول البحار، 2/380. 


تعليقات