القائمة الرئيسية

الشيخ سامي الساعدي


👈 حمّل العدد كاملاً: bit.ly/3zchlOD

 

{إلا تنصروه فقد نصره الله} [التوبة : 40]


كأني بهذه الآية الكريمة وهي تأخذ بتلابيب مَن بردتْ غيرتُه، فتهزه هزاً عنيفاً، وتوقظه من سباتٍ عميق، وتذكِّره بافتقاره إلى أن يسجل اسمه في سجل رفيع، مع غنى الله ورسوله عن نصرته، فالنصرة واقعة لا محالة، وقافلة المحبة سائرة. قطعًا سواء التحق بركبها وكثَّرَ سوادَ جنودها أو قيّده الكسل والبرود فتأخر عنها وانطلقتْ، إذ لا يزال الله يقيض لها أفواجًا من المحبين ينضمون إليها ويلتحمون بها في كل عصر وجيل.


{وإن تتولَّوا يستبدلْ قوماً غيرَكم ثم لا يكونوا أمثالَكم} [محمد : 38]


{يا حسرة على العباد}، أفبعد أن تفتح لهم بوابة الشرف ينكصون؟! وبعد أن ينادي عليهم منادي السعادة يثاقلون؟!


ما أجمل أن تكون خادمًا لجناب المصطفى صلى الله عليه وسلم!


وما أشرف أن تُنظَم في سلك المدافعين عن مقامه المحمود في الدنيا والآخرة!


ولا نعجب مِن شتْمِ أعداء أمتنا للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المنتظر منهم، ولكن نعجب ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ويتسمون بأسمائنا، بل ربما يكون اسم أحدهم محمدًا، ثم يتلقف تلك الطعون في أفضل خلق الله ويستمتع بتَكرارها على لسانه، أو نسخها بقلمه، أو نشرها في صفحاته!


كما أنه من العجيب والمحزن في الوقت نفسه أن تجد بعض من لا يؤمن بالإسلام، ولا يقر بنبوة النبي محمد عليه الصلاة والسلام - مَن يعترف بعظمته وسموه الفكري والإصلاحي والأخلاقي، ثم تجد ممن يزعم أنه مسلم، من يقع في هذه الخطيئة الكبرى والردة السافرة فيكرر طعون أعدائنا مُقِرًّا بها أو مروحاً لسخافاتها.


لقد نالت طبقة الأنصار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرتبة تحمل على الغبطة، وتُغري بالتطلع، وتهيج على الاستشراف.

ويكفي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لهم: "أمَا ترضَون أن يَرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس وادياً، وسلك الأنصار شِعْباً لسلكتُ شِعْبَ الأنصار" وفيه أنه دعا لهم ولذريتهم فقال: "اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار". فبكى الأنصار حتى ابتلَّت لحاهم وقالوا: "رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسْماً وحظًا[1].


فكيف إذا انضم إليه قوله صلى الله عليه وسلم: "أما بعد أيها الناس، فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا، أو ينفعه فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم"[2].


بل جُعِلَت محبتهم وكراهتُهم علامةً فارقةً بين المؤمنين والمنافقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار"[3].


وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد من حديث أنس وأبي سعيد الخدري أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُبغِضُ الأنصارَ رجلٌ يؤمن بالله واليوم الآخر".


وقد حفظ بقية الأصحاب للأنصار هذه المكانة حق الحفظ، وأنزلوهم المكان اللائق بهم كرجال حمَوا حبيبهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم وآوَوه ونصروه؛ فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في وصيته للخليفة من بعده: "وأوصيه بالأنصار خيراً، الذين تبوءوا الدار والإيمان، أن يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم"[4].


وفي الصحيحين أيضًا من حديث أنس رضي الله عنه قال: "خرجتُ مع جرير بن عبد الله البجلي في سفر، فكان يخدمني، فقلت له: لا تفعل. فقال: إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، آليت أن لا أصحب أحداً منهم إلا خدمته". وكان جرير أكبر من أنس رضي الله عنهما. وكان سيداً في قومه.


ولا يذهبنّ بك الظن إلى أن هذا الفضل قاصر على الأنصار من الصحابة وليس لمن بعدهم فيه نصيب، نعم للصحابة منه النصيب الأوفر والقدح المعلَّى، ولكن لكل مناصر حظ من هذا الشرف، وإن لم يبلغ مبلغهم.


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري عند شرحه لحديث أنس السابق في حب الأنصار وبغضهم: "جاء التحذير من بغضهم، والترغيب في حبهم حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق تنويها بعظيم فضلهم، وتنبيها على كريم فعلهم، وإن كان مَن شاركهم في معنى ذلك مشاركاً لهم في الفضل المذكور، كلٌ بقسطه".


فهل يتقاعس بعد ذلك عن نصرته إلا مخذول، وهل يزهد في الانضمام إلى قافلة المحبة والولاء إلا محروم؟!


أقبل وبادر، عسى أن تكون ممن يُنادَى عليه بوسم نصرة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد.


وسائل نصرته كثيرة، وطرق توقيره متنوعة، وأساليب النصح له متعددة.


وإن رد الهجمات المغرضة الآثمة التي تُشَنّ للمساس بالجناب النبوي الطاهر - كما يكون بالكر المباشر عليها نقضًا وإبطالاً، وعلى مروجيها تحذيرًا وتجريماً، فإنه يكون كذلك بحملات التعريف بحياته وسيرته التي تتجلى فيها الشمائل الإنسانية في ذروة كمالها، وتستبين فيها الأخلاق البشرية في قمة رقيّها.


لا يزال كثير من الناس قديمًا وحديثًا مُولَعاً بقراءة سير العظماء في تاريخ الأمم والحضارات، فكيف برجال اختارهم الله ليبلغوا رسالاته للناس، ويخرجوهم بها من ظلمات الغي والانحطاط والغواية، إلى نور الرشد والرقي والهداية؟! فكيف بخيرهم وأعظمهم وخاتمهم الذي جَمعت رسالته زبدة الرسالات قبله؟!


سيرته طريق قصير لمحبته، ووسيلة مجربة للانجذاب إلى شخصيته التي جمعت مظاهر الكمالات البشرية كلها، فلا بد لأنصاره في كل عصر وزمان أن يتأملوا في سيرته حق التأمل ليتحققوا بها وينطبعوا بطابعها، ثم ينطلقوا بها في العالمين يطابق قولُهم عملَهم ويواكب مظهرُهم مخبرَهم.


فضلًا عن أن هذه السيرة العطرة مصدر إلهام للعاملين من أجل إعادة قوة هذه الأمة ومجدها ودورها الريادي في قافلة الحضارة.

ولهذه المعاني كان السابقون في هذه الأمة يدرسون السيرة ويعلمونها أبناءهم كما يعلمونهم كتاب الله تعالى.

قال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: "كنا نعلَّمُ مغازي النبي وسراياه كما نعلَّمُ السورةَ من القرآن"[5].


تُشرِف وأنت تمشي بين ثناياها على وقائع بدر وأحد والأحزاب والحديبية وبيعة الرضوان وتبوك وحنين وفتح مكة وغيرها من المغازي المباركة، هذا مع ما في ثناياها من الأحكام والحِكَم والمواعظ والحقائق النفسية والاجتماعية والكونية.


لا يمكن - في هذه المقالة - أن نحيط بجوانب العظمة والكمال والإعجاز في شخصه الكريم صلى الله عليه وسلم، ولكن حسبنا أن نقف على بعضها.


حضرني قول الغزالي الحديث رحمه الله: "لو أراد جيش من علماء الأخلاق أن يأتوا بمثل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في باب الأخلاق، لما استطاعوا إلى ذلك سبيلا".


وقول الغزالي القديم رحمه الله إنه صلى الله عليه وسلم هو "المقصود الأول بالتأديب والتهذيب، ثم منه يشرق النور على كافة الخلق، فإنه أُدِّبَ بالقرآن. وأَدَّبَ الخلقَ به".


وقوله: "اعلم أن من شاهد أحواله صلى الله عليه وسلم وأصغى إلى سماع أخباره المشتملة على أخلاقه وأفعاله وأحواله وعاداته وسجاياه، وسياسته لأصناف الخلق، وهدايته إلى ضبطهم، وتأَلُّفِه أصنافَ الخلق، وقَوده إياهم إلى طاعته، مع ما يُحكَى من عجائب أجوبته في مضايق الأسئلة، وبدائع تدبيراته في مصالح الخلق، ومحاسن إشاراته في تفصيل ظاهر الشرع الذى يعجز الفقهاء والعقلاء عن إدراك أوائل دقائقها في طول أعمارهم، لم يبق له ريب ولا شك في أن ذلك لم يكن مكتسباً بحيلة تقوم بها القوة البشرية، بل لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد من تأييد سماوي وقوة إلهية، وأن ذلك كله لا يتصور لكذاب ولا مُلَبِسْ، بل كانت شمائله وأحواله شواهد قاطعة بصدقه حتى إن العربي القح كان يراه فيقول: والله ما هذا وجه كذاب، فكان يشهد له بالصدق بمجرد شمائله، فكيف من شاهد أخلاقه ومارس أحواله في جميع مصادره؟!، فأَعْظِمْ بغباوة من ينظر في أحواله، ثم في أفعاله، ثم في أخلاقه، ثم في معجزاته، ثم في استمرار شرعه إلى الآن، ثم في انتشاره في أقطار العالم، ثم في إذعان ملوك الأرض له في عصره وبعد عصره مع ضعفه ويتمه، ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه".


وما عسانا أن نقول فيمن كان خُلُقُه القرآن؟!


فهل رأينا أحسن منه عشرة، أو ألين لأصحابه جانبًا، أو أجود منه نفساً؟


ألم يكن أجودَ بالخير من الريح المرسلة؟ حتى تقرر في شمائله الشريفة أنه كان لا يرد سائلاً، وحتى قال ذلك الرجل لقومه: يا قوم، أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء لا يخشى الفاقة.


ألم يكن أشجع الناس حتى إن أصحابه يتقون به العدو في المعارك فلا يكون في الأغلب أحدٌ أقربَ إلى العدو منه؟


ألم يكن أحلمَ الناس وأوسعهم صدرا؟ طُلِب منه أن يلعن المشركين فقال: "إني لم أُبعَث لعّاناً، وإنما بُعثتُ رحمة".


وعفا عمن أراد قتله، وعن أعدائه يوم فتح مكة وقد أظفره الله عليهم وأمكنه منهم.


ألم يكن أفصح الناس منطقاً وأحلاهم كلاماً وأبينَهم حجة؟


فلم يكن مهذاراً ولا ثرثارًا، ولا كان مبهماً ولا ملغزا، فقد آتاه ربه جوامع الكلم، حتى كأن كلماته حبات عِقد منتظم.


ألم يكن أشدَّ الناس تواضعًا وهو أفضل الخلق؟ يركب الحمار، ويأكل القديد، ويعود المريض ويتبع الجنازة ويجيب دعوة الضعيف المسكين والغني المشهور على حد سواء، يخصف نعله ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويعين أهله في حاجتهم. يكره أن يقوم له الناس، ويجلس بين أصحابه كأحدهم فلا يميزه عنهم القادم الغريب.


أما العلوم التي جاء بها، والمعارف التي قدمها فذلك البحر الزاخر والفيض الغامر، فقد طوى أمام القوم مراحل الماضي، وطرح بين أيديهم مسافات التاريخ، فقص على أسماعهم أحسن القصص، ونثر على قلوبهم أبلغ العبر، كما سبق الزمن فاستدعى من المستقبَل ما ينتظر أمته من ملاحم وابتلاءات، وكشف أستار الغيب عما هم مقدمون عليه من سراء وضراء، وسحيل ومُبرَم، واستضعاف وتمكين، ليستنير بها السارون، ويسترشد بإضاءاتها العاملون.


فكان الأمر كما قال أبو ذر رضي الله عنه: "لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً"[6].


وعن حذيفة رضي الله عنه قال: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما، ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه"[7].


كما فصل لأمته الحلال والحرام، وسنّ لهم من الشرائع والأحكام تفصيلًا وإجمالًا ما لا يحتاجون معه إلى غيره، فتركنا على محجة بيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.


وبعد..


فهذا هو النبي الذي افترض الله اتباعه وتوقيره ومحبته وتعزيره - والتعزير: هو النصر.


ولا فلاح إلا بنصرته واتباع ما جاء به، {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزِل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 157]


فهل نحن فاعلون؟



[1] حديث متفق عليه من رواية أنس وزيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم.

[2] رواه البخاري وغيره.

[3] حديث متفق عليه.

[4] رواه البخاري.

[5] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع.

[6] رواه أحمد والطبراني وغيرهما.

[7] حديث متفق عليه.

تعليقات