القائمة الرئيسية

سعيد بن ناصر الغامدي


حمّل العدد كاملاً: bit.ly/3zchlOD

الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد:

فإن محبة النبي صلى الله عليه وسلم أصلٌ من أصولِ الإيمان، فلا إيمان لمن لا يحبه، ولا دينَ لمن يرغبُ بنفسه عن نصرتِه، ونصرةِ سُنَّتِه عليه الصلاة والسلام؛ إذ محبتُه ونصرتُه فرعٌ عن محبةِ العبدِ لربِّهِ وصدقِه في إيمانه، وإذا كانت هذه مُسلَّمَة من مُسلَّماتِ الاعتقادِ عند كلِّ مسلمٍ، فإنها ليست مجرد دعوى بلا برهانٍ، وليست مجرد عاطفةٍ محجورة في الوجدان، وإلَّا لأصبحَ كل يَدّعِي ذلك، ولو كان أهجر الناس لهديه، وأبعد الناس عن سنته وعن نصرته.

ولذلك كذّبَ الله دعوى المدّعين، وأبطلَ قولَ القائلين، بأن جعل شرطاً يفصلُ بين الصادقِ والكاذبِ، والمحبّ والمدّعي فقال جل شأنه:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].

وإن الذين قاموا في قضية نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، ضد الرسومات المسيئة، والمقالات الشنيعة، لهم بذلك شرفٌ نالوه بهذه الخدمة الجليلة، وعزةٌ حصَّلوها بهذه المحبةِ العظيمةِ، وهم وأمثالُهم محتاجون إلى نيل الأجر، وعاطرُ الذكرِ بتصدّيهم لهذه الانتهاكاتِ التي تَبْتُر قائِلَهَا وناشرَها والمدافعَ عنها: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3].

ولا غرو أن الدفاعَ عن مقامِ المصطفى صلى الله عليه وسلم من أوجبِ الواجباتِ، وأكرمِ المهماتِ، وأعلى الدرجات، إذ في ذلك صدٌ للعدوانِ، وردٌ على أصحاب البهتانِ وإيقاظٌ لحَمِيِّةِ الإيمانِ في قلوبِ المسلمين.

وفي هذا من المنافع الدنيوية والأخروية ما لا يحيطُ به البيانُ، ولا يَحصُرُه ما جرى به البنان.

بيد أنَّ من المهمّ على وجهِ المطابقةِ، ردُ غائلةِ الأنظمةِ التي تحكمُ بعضَ بلادِ المسلمين في مشاريعهم المتماهية مع العدوان الفرنسي، بل ربما هي أخطرُ وأشنعُ وأضرُّ .

تلكَ المشاريعُ التي تستهدفُ السنةَ النبويةَ الصحيحةَ، مرةً باسم التنقيحِ، وأخرى باسمِ التصحيحِ، وثالثةً باسم المواكبةِ للعقل الصحيح -زعموا- وهذه النازلةُ الخطيرةُ تمدَّدت في عدةِ بلدان، ونادَت بعدةِ دعاوَى كبطلانِ أحاديثِ الآحادِ، أو بما يخالفُ القرآنَ فيما زعموا، أو بما يخالفُ تنزيهَ اللهِ تعالى، أو عملِ أهلِ المدينةِ، أو لبديهياتِ العقولِ، أو للتاريخِ، أو لأصلِ الرحمةِ، أو المخالفةِ لكرامةِ الإنسانِ، ونحو ذلك مما سوّلت لهم به أنفسُهم.

وسقطَ في شَرَكِ هذه العناكبِ السياسيةِ بعضُ مَن عُرِفوا بعلمٍ أو بدينٍ؛ غيرَ ناظرين لما يترتبُ على ذلك من زعزعةٍ للأصل الثاني من أصول الديانةِ، التي عمل عليها جهابذةُ الإسلام قروناً طويلة؛ وهم أعلمُ وأتقى، وأزكى وأنقى، وأبعدُ أن يكونوا أدواتٍ لدولةٍ أو حاكمٍ.

إن التصدي لهذه المشروعاتِ من أساسها، هو من نصرةِ النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الشاتمُ والمسيءُ للنبي صلى الله عليه وسلم، بصورة، أو فيلم، يستوجبُ أن يتظافرَ أهلُ الإسلامِ على كبحهِ وفضحهِ، وردِ عدوانهِ الذي يعرفه حتى العاميُّ، والمتفلتُ عن دينه؛ فإنَّ رَدَّ غائلةِ الذين يزعمون أنهم يُنصفُون السنةَ النبويةَ الصحيحة أولى وأحرى؛ لأن تلبيسَهم على المسلمين أكبر، ومآلاتُ عملِهِم أبشعُ وأخطرُ.

إن مضامينَ هذه المشاريع -وإن تزينت بزخرف القول- أخطر من مضامين الشاتمين، وليس المقام هنا كما زعم بعض أهل العلم مقام حوار ونقاش وإقناع، لا سيما عند ابتداء بنيان مؤسسات ومنصات الضرار هذه، بل المقام مقام مواجهة وكشف للتلبيس الذي قد انطلى حتى على بعض من في هذه المشروعات، ممن يوصفون بالعلم والدين.

إن محور الإشكال عند بعض أهل العلم الصادقين أنهم ينظرون للمنهج الإسلامي في التعامل مع النوازل من زاوية واحدة، فهم يفترضون أنه إذا كان هناك حوار ونقاش وإقناع فلابد من استبعاد التحذير والتنفير ومواجهة الباطل والوقوف في طريقه ومنع انتشاره، لاسيما في أول أمره وبدوّ خطره.

إنني لا أستطيع أن أفهم كيف لصاحب علم وفهم أن يحسن الظن بمشاريع للسنة النبوية يُنشؤها من أثبتت الأحداث الكثيرة الوفيرة مجافاته ليس للسنة فقط بل لبعض قضايا الإسلام الظاهرة! مشاريع يقيمها من يوالي أعداء الله ويقربهم ويرفع من شأنهم ويربط معهم الروابط القوية.

كنت أحسب أن زمن الانخداعِ بأمثالِ هؤلاءِ قد انصرم؛ فإذا بنا نرى من يُحسنُ الظنَّ، ومن يطلبُ التأنّي! على أنه ليس المراد هنا التصدي بالشتم والثلب والسب، كما توهم بعضُهم، بل التصدي للتلاعبِ بالسُّنَّةِ واستنقاصِها، بحججٍ تبدو برَّاقةً لامعةً وتحتها الأفاعي والعقارب.

على أنه قد فاحت بعضُ روائحِ هذه المشروعاتِ، وأعلنوا أنهم بصدد حذف مئات من الأحاديث، في الصحيحين وغيرهما.

وبالنظر إلى كون أصحاب هذه المشاريع راضين عما نُشر، ومرتاحي القلوبِ لمن بناها وموّلها، باذلي الجهدَ في نشرها وترويجها، فلا شطط في وصفِهِم بما اطمأنت إليه نفوسُهم، وارتضته قلوبهم، وشهدت به أعمالهم.

ولا يشكُّ عاقلٌ في أن هذه النظمُ المتسولةُ بقاءَها بما يُرضِي أسيادَها في الغرب، لا يُتَوقَّعُ منها غيرَ الذي يظهر من تصرفاتها وولاءاتِها.

فالأئمةُ جَمْعاء، والعلماءُ المخلصون خاصةً، أمام محاربين أَلِدّاءَ لأصولِ الإسلامِ وشريعتِه وأحكامِه، محاربةً مبَاشِرةً، أو من وراء حُجُبِ الألفاظِ المزخرفةِ، واللينُ مع المحاربِ، التي هي من صفاتِ الأحمقِ أو العاجز، ورحم الله عبدَ القادر عودة حين وصف هذا الحال في عنوان كتابه: الإسلامُ بين جهلِ أبنائِهِ وعَجْزِ علمائِه.

تعليقات