القائمة الرئيسية

الرسول القدوة وميراث الاقتداء

الشيخ سامي الساعدي

عضو الأمانة العامة للهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام

{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِے رَسُولِ اِ۬للَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اُ۬للَّهَ وَالْيَوْمَ اَ۬لْأٓخِرَ وَذَكَرَ اَ۬للَّهَ كَثِيراٗ} (الأحزاب 21)

الاقتداء: مجالات وأولويات

كثيرًا ما نسمع هذه الآية تتردد على ألسنة كثير من المسلمين في معرض الاستدلال على وجوب اتباع هدي النبي ﷺ، في هيئات صلاته ونسكه، ومظهره ولباسه. ولكن ماذا بعد؟ هل هذا هو موطن القدوة فيها فحسب؟ لا والله.
بل هو القدوة في البيت والمسجد، في السوق والمجلس، في الحرب والسلم، في السفر والإقامة. بل إننا إذا استدعينا دلالةَ سياق الآية، وكونَها نزلت في غزوة الأحزاب يتبين لنا بوضوح أنها تُقِيمُ لنا معالمَ القدوة في أثناء الجهاد، عندما تبلغ القلوب الحناجر، وتَخنُق الظنونُ السيئةُ حناجرَ المنافقين فتنطق بالتخذيل والإرجاف، ويزلزَلُ المؤمنون زلزالًا شديدًا، ففي وسط هذه الابتلاءات يتجلى الصبر النبوي، ويضيء اليقين المحمدي ليكون لكل راجٍ كثير الذكر نورًا يمشي به في الناس فلا تضره فتنة ما دامت السماواتُ والأرض.
وقد تقرر في علم الأصول وعلوم القرآن أنه لا يجوز أن نُخرِج صورة سبب نزول الآية من مدلول النص، فهي داخلة فيه إما قطعًا كما هو قول جمهور العلماء - حتى حكى بعضهم فيه الإجماع - وإما ظنًا كما رُوِي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى.
قال السيوطي رحمه الله: "دخول صورة السبب قطعي وإخراجها بالاجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب". [الإتقان]
وقال صاحب مراقي السعود:
واجزِمْ بإدخال ذواتِ السببِ واروِ عن الإمام ظنًا تُصِبِ
وإذا نزّلنا هذه القاعدة على موضوع حديثنا وهو القدوة النبوية المذكورة في قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة…} ثم عرفنا سياقها وسبب نزولها أدركنا مدى خطأ من يقصر دلالتها على الاقتداء به في هديه الظاهر أو في بعض أنواع عباداته وأنساكه.

فأول ميادين الاقتداء به هو صبره وقت الشدائد ويقينه بنصر الله في حروبه، وتثبيته أتباعه عند زلزال النفوس
وعلى الإشارة إلى هذا المعنى درج سائر المفسرين. قال القرطبي في هذه الآية: "هذا عتاب للمتخلفين عن القتال، أي كان لكم قدوة في النبي ﷺ حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق… (أسوة) .. فيُقتدَى به في جميع أفعاله، ويتعزى به في جميع أحواله، فلقد شُجّ وجهه، وكُسرتْ رَباعيتُه، وقُتِل عمُّه حمزة، وجاع بطنه، ولم يُلْفَ إلا صابراً محتسباً، وشاكراً راضياً".
وقال ابن عطية: "يجب أن يقتدى بمحمد عليه السلام حين قاتل وصبر وجاد بنفسه".
وقال البيضاوي: "(أسوة حسنة) خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها، كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد".
وقال القاسمي: "في أخلاقه وأفعاله قدوة حسنة، إذ كان منها ثباته في الشدائد وهو مطلوب، وصبره على البأساء والضراء وهو مكروب ومحروب، ونفسه في اختلاف الأحوال ساكنة، لا يخور في شديدة، ولا يستكين لعظيمة أو كبيرة، وقد لقي بمكة من قريش ما يشيب النواصي، ويهد الصياصي، وهو مع الضعف يصابر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي، ومن صبر على هذه الشدائد في الدعاء إلى الله تعالى، وهو الرفيع الشأن، كان غيره أجدر إن كان ممن يتبع بإحسان (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) أي: رضوان الله، ورحمته، وثواب اليوم الآخر، ونجاته؛ فإنه يؤثرهما على الحياة الدنيا، فلا يجبن، إذ لا يصح الجبن لمن صح اقتداؤه برسول الله ﷺ، لغاية قبحه. (وذكر الله كثيراً) أي: وقرن بالرجاء ذِكْره تعالى بكثرة، أي: ذكر أمره ونهيه ووعده ووعيده، فأدرك مواطن السعادة ومهاوي الشقاوة، وعلم أن في الثبات على قتل العدو، تطهيرَ الأرض من الفساد، وتزيينَها بالحق والصلاح والسداد، مما جزاؤه سعادة الدارين، والفوز بالحُسْنَيَينِ". [محاسن التأويل]
وقال السيوطي في تفسير الجلالين: (أسوة حسنة) "اقتداء به في القتال والثبات في مواطنه".
ثم بعد التأكيد على أن أول ما يدخل في مدلول الآية هو صورة سبب النزول، يتقرر أن (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)
فتعمّ الآية كل ما يدخل في معناها لغة، إلا ما أخرجه دليل. قال الألوسي عن الآية الكريمة إنها: "عامة في كل أفعاله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا لم يعلم أنها من خصوصياته كنكاح ما فوق أربع نسوة، أخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم عن حفص بن عاصم قال: قلت لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: رأيتك في السفر لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها، فقال: يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كذا وكذا فلم أرَه يصلي قبل الصلاة ولا بعدها، ويقول الله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.
فسيرته قدوة كلها، وشمائله رقيٌّ كلها، ولقد كان الرسول القائد ﷺ يربي أتباعه بالعمل كما يوجههم بالقول سواء بسواء، بل ربما كان التوجيه بالعمل أبلغَ من التوجيه بالقول. ففي التجهيز لغزوة الأحزاب وعند حفر الخندق لم يُصدِر النبي ﷺ أوامره للصحابة ببناء المسجد ثم يغادرهم إلى بيته ويخلد إلى الراحة، ولو فعل ما كان عليه من سبيل، فهو رسول الله الواجب الطاعة في كل ما يأمر، ولكنه مع ذلك حمل معهم الطوب، وكابد معهم التراب، ولهذا عندما رأوه يشاركهم تلك المكابدة قالوا كما في (البخاري):
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وهو يردد مقويًا عزائمهم:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فأكرِمِ الأنصارَ والمُهاجِره
فالتأم الوعظ القولي مع الأسوة العملية، لتخرج مِن بينهما تركيبة إيمانية، تُذْكي المشاعر، وتؤجج الحماس، وتُلهِب العواطف. فيجيبون وقد التهبت نار حماستهم وارتفع منسوب إيمانهم:
لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلَّل
وقال علي رضي الله عنه يومها كما في (سيرة ابن هشام):
لا يستوي من يَعْمُرُ المساجدا يدْأَبُ فيها قائما وقاعدا
وفي غزوة أُحُد كُسِرَتْ رَباعيتُه ﷺ وشُجَّ وجهُه الشريف، وأبلى طائفة من أصحابه أحسن البلاء، {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}. فاستُشهِد منهم سبعون، وأصيبَ آخرون، وشلّت يد طلحة بن عبيد الله، وفُقِئتْ عينُ قتادة بن النعمان، وتَرَّسَ أبو دجانة بظهره عن رسول الله ﷺ، فكانت السهام تقع في ظهره ولا يتحرك.
أتُرَى حماستهم تكون كذلك إن لم يرَوا قائدهم معهم في الوطيس الحامي؟! ولا عجب فَقَدْ جَبَلَهُ ربه تبارك وتعالى على أن يكون أول من يمتثل ما يأمر به.
وقد وصف (الجُلَنْدَى) النبيَّ ﷺ بذلك عندما أرسل إليه يدعوه إلى الإسلام فقال: "لقد دَلَّنِي على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أولَ آخذٍ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أولَ تاركٍ له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يهجر (أي لا يقول كلامًا قبيحًا)، وأنه يفي بالعهد ويُنجِزُ الوعد، وأشهد أنه نبي" .
وفي ثمرات الاقتداء وشمولها وكثْرَتِها يقول ابن حزم: "من أراد خيرَ الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتدِ بمحمد رسول الله ﷺ، ولْيستعملْ أخلاقه وسِيَرَه ما أمكنه" .
ومن عظمة الاقتداء بنبي الإسلام ﷺ وسَعَتِه أنه يستوعب أصحاب النزعات البشرية المتباينة، فيتعاهدها بالتهذيب، ويقوِّم نتوءاتها بالتشذيب، وذلك كالغضب والرضا، واللين والشدة، والصبر والشكر، فيكون ﷺ قدوة للهادئ والغضوب، والبطيء والعجول، والغني والفقير.
وكلهم من رسول الله ملتمسٌ غَرْفاً من البحر أو رشفاً من الدِّيَمِ
يقول ابن القيم مبينًا هذه الحقيقة: "ومما ينبغى أن يُعلَم أن كل خصلة من خصال الفضل قد أحلّ الله رسوله فى أعلاها، وخصه بذِرْوة سَنامِها، فإذا احتجَّتْ بحالِه فِرقةٌ من فِرَق الأمة - التى تعرفتْ تلك الخصال وتقاسمتها - على فضلها على غيرها أمكن الفِرقةَ الأخرى أن تحتجّ به على فضلها أيضاً. فإذا احتج به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الطوائف احتج به العلماء والفقهاء على مثل ما احتج به أولئك. واذا احتج به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا على فضلهم احتج به الداخلون فى الدنيا والولاية وسياسة الرعية لإقامة دين الله وتنفيذ أمره. واذا احتج به الفقير الصابر احتج به الغنى الشاكر… واذا احتج به أرباب التواضع والحلم احتج به أرباب العز والقهر للمبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم. واذا احتج به أرباب الوقار والهيبة والرزانة احتج به أرباب الخُلق الحسن والمزاح المباح الذي لا يخرج عن الحق وحسن العشرة للأهل والأصحاب. وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به فى المشهد والمغيب احتج به أصحاب المُداراة والحياء والكرم أن يبادروا الرجل بما يكرهه في وجهه. وإذا احتج به المتورعون على الورع المحمود احتج به الميسرون المسهلون الذين لا يخرجون عن سَعة شريعته ويُسْرِها وسهولتها.
وإذا احتج به مَن صَرَفَ عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه احتج به من راعى إصلاح بدنه ومعيشته ودنياه فإنه بُعث لصلاح الدنيا والدين… واذا احتج به مَن أخذ بالعفو والصفح والاحتمال احتج به من انتقم فى مواضع الانتقام… واذا احتج به مَن لم يدخر شيئاً لغدٍ احتج به من يدخر لأهله قوت سَنة. وإذا احتج به مَن سَرَدَ الصوم احتج به من سرد الفطر فكان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم. واذا احتج به مَن رغِبَ عن الطيبات والمشتهيات احتج به مَن أحبَّ أطيب ما فى الدنيا وهو النساء والطِيب. وإذا احتج به من ألان جانبه وخفض جناحه لنسائه احتج به مَن أدَّبَهُن وآلمَهُنّ وطلّق وهجر وخَيّرَهُن. واذا احتج به مَن تَرَك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه احتج به مَن باشرَها بنفسه فأجر واستأجر وباع واشترى واستسلف وادّان ورَهَنَ…" .
توريث السمت والأدب
وقد ورّث النبي ﷺ أصحابه الهدي العملي والسمت النبوي، واستمر هذا التوريث فيمن بعدهم إلى اليوم.
قال عبد الرحمن بن يزيد: "سألْنا حذيفةَ عن رجل قريب السمت والهدي من النبي ﷺ حتى نأخذ عنه، فقال: ما أعرف أحداً أقربَ سَمْتاً وهدياً ودَلّاً بالنبي ﷺ من ابن أم عبد". [متفق عليه] ابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود. والدَّلّ هو الظاهر الحسن الذي يدل على أن الباطن حسنٌ مثله.
وقالت عائشة رضي الله عنها: "ما رأيتُ أحداً كان أشبهَ سمتًا وهدياً ودَلّاً برسول الله ﷺ من فاطمة". [رواه أبو داود]
وقال النبي ﷺ لجعفر بن أبي طالب: "أشْبهتَ خَلْقي وخُلُقي". [متفق عليه]
وأما التابعون وتابعوهم فقد كثرت وصاياهم في نقل الأدب والسمت قبل الفقه والحديث أو معه على الأقل. فقال ابن سيرين: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم" .
وقال الإمام مالك: كانت أمي تعممني وتقول: "اذهب إلى ربيعةَ فتعَلَّمْ مِن أدَبِه قبل عِلْمِه" .
ولقد عمل مالكٌ بوصية أمه فتطَبّعَ بطباع شيوخه وتأدَّبَ بآدابهم وعمل بوصاياهم، فمن ذلك أنه أخذ عنهم التثبت في الفتيا، والورع عن التسرع فيها، وألا يستنكف عن الاعتراف بعدم علمه إن سُئل عما لا يعلمه. قال عن شيخه ابن هرمز قوله: "ينبغي أن يورِّثَ العالِمُ جلساءه قولَ (لا أدري) حتى يكون ذلك أصلًا في أيديهم يفزعون إليه، فإذا سُئل أحدهم عمّا لا يدري قال: (لا أدري) .
وقد أخذ تلاميذ مالك عنه هذا الورع وورَّثوه مَن بعدَهم؛ فقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: "إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفَقَ لي فيها رأي إلى الآن" . ثم قال سحنون تلميذ ابن القاسم: إني لأُسألُ عن مسألة فأعرف في أي كتاب وورقة وصفحة وسطر، فما يمنعني عن الجواب فيها إلا كراهةُ الجرأة بعدي على الفتيا" .
وكما ورثوا عنه الورع في الفتيا ورثوا الأدبَ عامةً، وفي ذلك يقول تلميذُه ابن وهب: "ما نقَلْنا مِن أدبِ مالك أكثر مما تعلمنا مِن عِلْمه" .
ومِن أدبِ مالك الذي وَرِثه وورَّثه: توقير رسول الله ﷺ ومحبته وتعظيم حديثه
ومن شيوخه الذين ورث عنهم ذلك أيوب السختياني أحد شيوخه الذين روى عنهم؛ فقد "سُئل مالك: متى سمعتَ من أيوب السختياني؟" فقال: حج حجتين، فكنت أرمقه ولا أسمع منه، غير أنه كان إذا ذُكر النبي ﷺ بكى حتى أرحمه، فلما رأيتُ منه ما رأيتُ وإجلالَه للنبي ﷺ كتبتُ عنه" .
وهكذا كان مالك في حلقاته عمومًا، وفي حلقة حديث رسول الله ﷺ خصوصًا. فقد كان مجلسه مجلسَ هيبة ووقار، وصفه الثوري فقال :
يأبى الجوابَ فما يراجَعُ هيبةٌ فالسائلون نواكسُ الأذقانِ
أدَبُ الوَقار وعِزُّ سلطان التُّقَى فهو المَهِيبُ وليس ذا سلطانِ
وكان "إذا أراد أن يُحَدِّث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرّح لحيته وتَمَكّن في جلوسه بوقار وهيبة وحدّث، فقيل له في ذلك فقال: "أُحبُّ أن أعظّم حديث رسول الله ﷺ ولا أحدّث إلا على طهارة متمكناً". وكان يكره أن يحدّث في الطريق أو هو قائم أو يستعجل، وقال: "أحب أن أتفهم ما أحدّثُ به عن رسول الله ﷺ". ورُوي أيضاً عنه أنه كان يغتسل لذلك ويتبخر ويتطيب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زبره وقال: قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} فمن رفع صوته عند حديث رسول الله ﷺ فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله ﷺ" .
وأوصى الإمام حبيبُ بن الشهيد ابنَه فقال: "يا بني إيتِ الفقهاء والعلماء، وتعلَّمْ منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إليّ لك من كثير من الحديث" [الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع 1 / 80]
وتناقل العلماء والمرَبّون هذه الوصايا لتلامذتهم جيلًا بعد جيل
يقول ابن الجوزي:
"لقيت مشايخ، أحوالهم مختلفة يتفاوتون في مقاديرهم في العلم. وكان أنفعهم لي في صحبة العامل منهم بعلمه وإن كان غيره أعلم منه. ولقيت جماعة من علماء الحديث يحفظون ويعرفون ولكنهم كانوا يتسامحون بغِيبة يخرجونها مخرج جرح وتعديل، ويأخذون على قراءة الحديث أجرة، ويسرعون بالجواب لئلا ينكسر الجاه وإن وقع خطأ. ولقيت عبد الوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف لم يسمع في مجلسه غِيبة، ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه. فكان - وأنا صغير السن حينئذ - يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد. وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل. ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يقول، متقناً محققاً. وربما سئل الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن. وكان كثير الصوم والصمت فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما. ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول" .
وبعد.. فهذا غيض من فيض شمائله، وغرفة من بحر فضائله، توارثها العلماء العاملون والمُرَبّون المقتدون. صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.

تعليقات