القائمة الرئيسية

الاحتساب على شاتم سيد البشرية ﷺ (1/2)

🖊️ الشيخ إبراهيم السكران
فك الله أسره


الحمد وبعد،
ليس حديثنا اليوم عن عالم أو داعية بُغي عليه، ولا عن منكرات سلوكية، ولا عن قضايا معيشية، لا، ليس ذلك كله، الواقعة اليوم أكبر من ذلك، إنه (عِرض رسول الله صلى الله عليه وسلم) فداه نفسي وأبي وأمي وولدي صلى الله عليه وبارك وسلم سلاماً كثيراً إلى يوم الدين.
إنه رسول الله الذي سأل عنه ملك النصارى هرقل، ثم قال وهو في أبهة ملكه: (قد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمتُ لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه)[البخاري:7].
إنه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الذي جعله الله منّة علينا، يمتن بها الله سبحانه علينا، يتمدح ربنا سبحانه بأنه أرسل لنا محمد بن عبد الله –صلى الله عليه وسلم- حيث يقول الله:
(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ)[آل عمران:164].
بل إن الله في كتابه وصف الشمس بأنها سراج كقوله (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا)[نوح:16]، وفي القرآن نفسه وصف الله محمداً –صلى الله عليه وسلم- بأنه (سراج منير) لشروق شمس رسالته على البشرية كما قال الله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا)[الفرقان:61].
قال الإمام ابن رجب (سمى الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - سراجا منيرا؛ لأن نوره للدنيا كنور الشمس وأتم وأعظم وأنفع)[فتح الباري:4/340].
وميّزه الله سبحانه بالسيادة في الدنيا والآخرة، وجعله (الأول) في مقامات كثيرة بين الناس جميعاً، فهو (سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع)[مسلم:2278].
وكل الرسالات والنبوات قبله كانت مبنية على الخصوصية القومية، إلا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- شرّفه الله بعالمية الرسالة للبشرية كلها (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)[البخاري:335].
بل حتى لغته –صلى الله عليه وسلم- وطريقة تركيبه للألفاظ والمعاني شرفه الله بأن تفرد بأسلوب خاص، وهو أسلوب (جوامع الكلم) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (بعثت بجوامع الكلم)[البخاري:7013] وقال (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم..)[مسلم:523].
بل إن الله جل وعلا اختار لنبيه أشرف (مكان) وأشرف (زمان) وأشرف (نسب)، فجمع له الشرف من أطرافه مكاناً وزماناً ونسباً. فقال صلى الله عليه وسلم (بعثت من خير قرون بني آدم، قرنا فقرنا)[البخاري:3557]. وقال (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)[مسلم:2276].


بل إن النبي إذا استفتح باب الجنة يسأله الملك الموكل بخزانة الجنة: من أنت؟ فإذا أخبره النبي باسمه قال الملك (بِك أُمرت، لا أفتح لأحد قبلك)[مسلم:197].
ولا يعرف رجل في البشرية كلها من أولهم إلى آخرهم نقلت أخباره وسيره وأيامه حدثاً حدثاً مثل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- حتى أنهم نقلوا الخوارق التي وقعت يوم مولده، ومرضعاته، وحواضنه، وأول بعثته، وأسمائه، وهجرته، وأولاده، وزوجاته، وأعمامه وعماته، وسراريه ومواليه وخدمه وكتّابه، ومؤذنيه، وأمرائه، وحرسه، وشعرائه وحداته، وكتبه التي أرسلها إلى الملوك، بل حتى من يضرب الأعناق بين يديه، وطريقة عبادته في وضوئه وصلاته وصيامه وحجه، ومعاملاته وقروضه ورهنه، وطعامه ولباسه، وشمائله، بل حتى أسماء الدواب التي ركبها، وغير ذلك كثير، وكل ذلك مكتوب في السير والشمائل والمغازي ودلائل النبوة (ومن هذه الكتب: زاد المعاد وهو أعذبها، وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية وهو أوعبها، والشفا للقاضي عياض، والعجالة السنية للمناوي شرح ألفية السيرة للعراقي وهو أكثفها، وفصول مهمة في الجواب الصحيح لابن تيمية، وغيرها).
وقد قال الإمام ابن تيمية (كان الذين رأوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ونقلوا ما عاينوه من معجزاته، وأفعاله، وشريعته، وما سمعوه من القرآن، وحديثه؛ ألوفاً مؤلفة)[الجواب الصحيح:3/21].
وأما معجزات النبي –صلى الله عليه وسلم- وعجائب حياته فهي كثيرة جداً، وقد تنافس أهل العلم في جمعها، فكان اللاحق منهم يستقرئ أموراً ويضيفها على السابق، وهذا شأن العلوم، وإن كان المستشرقون وشراحهم العرب يجعلون هذه المزية إشكالاً، ومن ذلك قول ابن تيمية رحمه الله:
(ومعجزاته تزيد على ألف معجزة، مثل انشقاق القمر، والقرآن المعجز، وأخبار أهل الكتاب قبله، وبشارة لأنبياء به، ومثل أخبار الكهان والهواتف به، ومثل قصة الفيل التي جعلها الله آية عام مولده، وما جرى عام مولده من العجائب الدالة على نبوته، ومثل امتلاء السماء ورميها بالشهب التي ترجم بها الشياطين بخلاف ما كانت العادة عليه قبل مبعثه وبعد مبعثه، ومثل إخباره بالغيوب التي لا يعلمها أحد إلا بتعليم الله عز وجل من غير أن يعلمه إياها بشر، فأخبرهم بالماضي مثل قصة آدم ونوح وإبراهيم وموسى والمسيح وهود وشعيب وصالح وغيرهم، وبالمستقبلات، وكان قومه يعلمون أنه لم يتعلم من أهل الكتاب، ولا غيرهم، ولم يكن بمكة أحد من علماء أهل الكتاب ممن يتعلم هو منه، بل ولا كان يجتمع بأحد منهم يعرف اللسان العربي، ولا كان هو يحسن لسانا غير العربي، ولا كان يكتب كتابا، ولا يقرأ كتابا مكتوبا، ولا سافر قبل نبوته إلا سفرتين: سفرة وهو صغير مع عمه أبي طالب لم يفارقه، ولا اجتمع بأحد من أهل الكتاب ولا غيرهم، وسفرة أخرى وهو كبير مع ركب من قريش لم يفارقهم، ولا اجتمع بأحد من أهل الكتاب، وأخبر من كان معه بأخبار أهل الكتاب بنبوته مثل: إخبار بحيرى الراهب بنبوته، وما ظهر منه مما دلهم على نبوته، ولهذا تزوجت به خديجة قبل نبوته لما أخبرت به من أحواله، مثل نبع الماء من بين أصابعه غير مرة، ومثل تكثير الطعام القليل حتى أكل منه الخلق العظيم، وتكثير الماء القليل حتى شرب منه الخلق الكثير، وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر، ولكن المقصود هنا: التنبيه بأن محمدا صلى الله عليه وسلم له معجزات كثيرة)[الجواب الصحيح: 1/399].
وفضائله وشرفه وهيبته في النفوس لها مقامٌ طويل، والحديث عنها واعتقادها وتحقق النفوس بمعانيها من أرفع مقامات الإيمان، فكلما تحقق القلب بتشريف وهيبة وحب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كلما صعد في مدارات الإيمان.
فهل هذا كل شيء؟ لا، ولكن ثمة أمر يصل بالعجب إلى منتهاه، وهو كمال شفقة رسول الله بنا، وشدة حب رسول الله لنا معشر أمته، وحرصه علينا، وإلحاحه في سؤال الله كل خير ومصلحة لأمته.
-حب النبي لنا معشر أمته:
أخذ النبي –صلى الله عليه وسلم- مرةً يقرأ قول الله (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس) وقول الله (إن تعذبهم فإنهم عبادك) فتذكر أمته فرفع يديه كما في صحيح مسلم:
(فرفع يديه وقال: "اللهم أمتي أمتي" ، وبكى، فقال الله عز وجل: "يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك" فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما قال، وهو أعلم، فقال الله: "يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك" )[مسلم:202].
انظر إلى علم الله سبحانه بأن ما أهم محمداً –صلى الله عليه وسلم- حتى بكى هو شفقته وحبه الخير لنا معشر أمته، حتى أن الله وعده –ووعده الحق- أن يرضيه في أمته، نسأل الله من فضله.
والله سبحانه قد أعطى الأنبياء دعوات يجيبها لهم، فكل نبي استعملها فاستجيب له، إلا محمد –صلى الله عليه وسلم-، أتدري ماذا فعل رسول الله بهذا الخصيصة في الدعوة المجابة؟ ادخرها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لنا نحن معشر أمته:
(لكل نبي دعوة، فأريد -إن شاء الله- أن أختبئ دعوتي، شفاعة لأمتي يوم القيامة)[البخاري:6304].
وقال (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)[مسلم:199].
ولذلك إذا ضاق الناس بالمحشر يوم القيامة، وفزعوا للأنبياء فاعتذروا، أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فانظر كيفية شفقة النبي بأمته:
(فيأتون محمدا فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه، فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا، لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب)[البخاري:4712].
فبالله عليك هل تعرف شفقة بالأمة أكثر من هذه؟ الناس في المحشر، في أكثر اللحظات ضنكاً، يفكرون في أنفسهم، والنبي يقول (أمتي أمتي) إنه مهتم بأمرنا نحن معشر أمته!
وكان النبي –بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم- يخبرنا ببعض أدعيته لنا معشر أمته، ومن ذلك شفقته بنا من الكوارث الكبرى، كما يقول صلى الله عليه وسلم:
(وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم)[مسلم:2889].
والناس يوم النحر يفكرون بأضحياتهم، وأضاحي أقاربهم، وأما رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فإنه مهموم بشأن أمته (بسم الله، والله أكبر، هذا عني، وعمن لم يضح من أمتي)[ابوداود:2810].
وفي تشريعات كثيرة كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يبين أن المانع له منها هو خوف المشقة على أمته، كقوله عن الجهاد (ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية)[البخاري:36] وقوله عن تأخير وقت العشاء (لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم أن يصلوها هكذا)[البخاري:571] وقوله عن السواك (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)[البخاري:887]. وغيرها من الأحاديث التي كان النبي يبين أن الحامل له على ترك الأمر بها هو خوف المشقة على الأمة.
ولما سئل ابن عباس عن سبب تخفيف النبي –صلى الله عليه وسلم- جداً في علة الجمع قال (أراد أن لا يحرج أمته)[مسلم:705].
ولما كثر الصحابة في صلاة التراويح تركها النبي –صلى الله عليه وسلم- وقال لأصحابه (إنه لم يخف علي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها)[924].
واستمر النبي –صلى الله عليه وسلم- يراجع ربه لتخفيف الصلاة المفروضة علينا من خمسمائة إلى خمس صلوات في الحديث المشهور المعروف في قصة الإسراء والمعراج في الصحاح.
وهذه الشواهد السابقة في كمال شفقة النبي –صلى الله عليه وسلم- بنا معشر أمته؛ هي التي عبر عنها القرآن (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[التوبة:128].
ولذلك كان أهل العلم يتنافسون في العبارات الإيمانية التعظيمية لرسول الله حتى قال الشافعي في رسالته المشهورة:
(فلم تُمسِ بنا نعمةٌ، ظهرت ولا بطنت، نلنا بها حظا في دين ودنيا، أو دفع بها عنا مكروه فيهما، وفي واحد منهما: إلا ومحمد -صلى الله عليه وسلم- سببها) [الرسالة:ص10].
وقال ابن تيمية (كل خير في الوجود، إما عام وإما خاص؛ فمنشؤه من جهة الرسول..، والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة)[الفتاوى:19/93].

تعليقات