القائمة الرئيسية

د. سفر الحوالي[1]

فك الله أسره
 
الله تعالى جعل رسولَه الأميَّ الكريمَ من العرب، وهو شرف عظيم، كانت كل الأمم تسعى إليه، لا سيما اليهود الذين كانوا يعرفون صفته ومَبْعثَه، ومكان هِجرَتِه، وهاجروا إلى بلاد العرب طمعًا أن يبعثَه الله منهم، وسكنوا خيبرَ والمدينة، لما علموا أن مهاجَرَه أرضٌ ذاتُ نخلٍ. وكانوا يستفتحون به على قبائلِ العرب، وأخبروا عنه سلمانِ الفارسيّ وتُبَّعاً وغيرَهم ممن ثبت خبره، وشاع في العالم ذكره، حتى أن بعض الناس سمى ابنه محمداً كمحمد بن مسلمة الأنصاريّ، وسرعان ما آمن به عالِمُ بني إسرائيل "عبدُ الله بن سلام"، ولما دعا الأوسَ والخزرجَ إلى بيعتِه ليلةَ العقبة، سارعوا وقالوا: لا يسبقنَّكم إليه اليهود، عليهم لعائن الله المتتابعة، إذ كفروا بما عرفوا حسدًا وبغيًا، وعلى سنةِ اليهود المعاصرين له، سار يهودُ هذا الزمن، وزَيَّنَ لهم الشيطان أعمالَهم، وزادهم كفراً به، وعداوةً له، ما يفعله المنتسبون إليه من أدعياء الإسلام.

وهو ﷺ دعوةُ أبيه إبراهيم عليه السلام، وبشَّرت به الكتبُ السابقة، وأخذ الله العهد على كل نبي لئِن أدركه ليُؤمنَنَّ به ويتَّبِعه، وكانت ملائكةُ السماء تترقب بَعثتَه، وجعله الله شهيدًا على هذه الأمة المباركة، وجعل أمته شهداءَ على الأمم، ولعظيم قدره ﷺ منعَ الله التقديمَ بين يديه، أو رفعَ الصوتِ فوق صوتِه الشريف، والجهرَ له بالقول، كما يجهر بعضُ الناس لبعضٍ، وأمر بتقديم صدقة بين يدي نجواه، إذ ليس سؤالُه أو مخاطبتُه كسؤال غيرهِ أو مخاطبتِه، ونهى عن أذاه، وتوَعَّد مَن يؤذيه. وقد أجمعت الأمة على تحريم ذلك، وعلى أن بغضه عليه الصلاة والسلام منافٍ للإيمانِ. 

وإنما قال عنه المنافقون في أيامه: هو أذنٌ، ولا ريب أن ما فعلته الصحفُ الغربية اليوم مثل "شارلي ايبدو" الفرنسية أعظم من قول أذن.
وجعل الله شانِئَه هو الأبتر، وكان المسلمون إذا حاصروا حصنًا للكفار فسب أحد منهم الرسول ﷺ أيقنوا أن النصر قريب.
وأرسله ربه ليكون رحمةً للعالمين، ونذيرًا لهم بين يدي عذابٍ شديدِ، وجعل له صفاتٍ تشهد بذاتها أنه رسولٌ من عنده، لا ينطق عن الهوى، ولا يُحلِّل ولا يحرِّم، ولا يأمر ولا ينهى، إلا بأمر ربه، وجعله قدوةً للمؤمنين، وأسوةً للصالحين في كل جيل. وجَمع له ربه الكمالاتِ البشريةِ كلِها، فهو أشجعُ الناس، وأعدلُ الناس، وأكرمُ الناس، وأحسنُ الناس خُلُقَاً، وأحلمُ الناس، وأطهرُ الناس، وأطيبُ الناس رائحةً، وأقْومُهُم عادةً، وهكذا. ولو أن أحدًا مهما بلغت عبقريته أراد أن يكون مثل رسول اللہ ﷺ في جانب واحد من جوانب سيرته الشريفة، لعجز عن ذلك، خذ مثلًا أمرًا سهلًا فيما نرى، وهو معاملته ﷺ لزوجاته الطاهرات.

واالله تعالى أعطى كل نبي ما يؤمن الناس على مثله من الآيات والبراهين، وجمع لنبيه محمد ﷺ بين الآيةِ الخالدةِ القرآنِ، وبين نحو ألفِ آية حسيةٍ في الأرض والسماء، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وكلُ مَن لم يؤمن بتلك الآياتِ والبراهين فعليه بالواقع التاريخي للسيرة النبوية، وكفى بذلك دليلًا لمن تَبصَّر، وعلى هذا الدليل الحسي الواقعي اعتمد شيخ الإسلام في مجادلةِ النصارى، حين لم يؤمنوا بالبراهين الأخرى، كما اعتمد ابن القيم أيضا كما في "الزاد"، وسار عليه ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية، وفي عصرنا هذا أسلم الدكتور "موريس بوكاي" عن علمٍ ويقينٍ ومعرفةٍ.
فما أعجب سيرته وما أكثر آياته وما أدل علاماته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح: "وسيرةُ الرسول ﷺ من آياتِه، وأخلاقِه من آياتِه، وأقوالِه وأفعالِه وشريعته من آياتِه، وأمتِه من آياتِه، وعلَّم أمتَه في دينهم من آياته، وكراماتِ صالحي أمتِه من آياته".
إلى أن يقول ضمن كلامه النفيس في فصل عظيمٍ جامعٍ في "الجواب الصحيح" نقله عنه ابنُ كثير، والشيخ السعدي: "وكان أميًا من قوم أميّين لا يعرف لا هو ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب، ولم يقرأ شيئًا من علوم الناس ولا جالس أهلَها، ولم يدَّع النبوة إلى أن أكمل االله له أربعين سنة، فجاء بأمر هو أعجبُ الأمور وأعظمها، وبكلام لم يَسمع الأولون والآخرون بنظيره، وأخبر بأمرٍ لم يكن في بلده، ولا في قومه مثلُه، ولم يكن مثلُه قبله ولا بعده في مِصر من الأمصار، ولا في عصر من الأعصار من أتى بمثل ما أتى به، ولا من ظهر كظهوره، ولا من أتى بالعجائب والآيات بمثل ما أتى به، ولا من دعا إلى شريعة أكمل من شريعته، ولا من ظهر دينُه على الأديان كلِها بالعلمِ والحجةِ، وباليد والقوة كظهوره".

ثم يذكر رحمه االله طرفًا من سيرته العطرة، وما فيها من الآيات الدالة على صدقه وعدله صلوات االله وسلامه عليه، ومنها الانقلابُ العظيم، والتَغِيُّراتُ الهائلة، التي أحدثها في أولئك الأميّين، وكيف أصبحوا سادةً وعلماءَ وحكماءَ للعالمين. وكيف أنه لم يكن مريدًا للدنيا، ولا ملِكًا يريد الملك لنفسه، ويَوَلِّيه أقاربَه مِن بعده.

وقال: "وهو ﷺ مع ظهور أمرِه، وطاعةِ الخلق له، وتقديمِهم له على الأنفسِ والأموالِ، مات ولم يَخلُف درهماً ولا ديناراً، ولا دابةً إلَّا بغلتَه وسلاحَه، ودرعُه مرهونةٌ عند يهودي على ثلاثين وسَقًا من شَعيرٍ ابتَاعه لأهله، وكان بيده عقار ينفق منه على أهله، والباقي يصرفه في مصالح المسلمين، وحكم بأنه لا يُورَث، ولا يأخذُ ورثتُه منه شيئاً (يعني الشيخ فدك).

إلى أن يقول الشيخ رحمه االله: "لم يأمر بشيء فقيل ليتَه لم يأمر به، ولا نهىَ عن شيء فقيل ليته لم ينه عنه"، وقال شيخ الإسلام في موضع آخر:
"ولهذا قدَّم رسولُ االله ﷺ أبا بكرٍ وعمرَ على أقاربِه، لأنه رسول االله يأمر بأمر االله، ليس من الملوك الذين يُقدِّمون أقاربَهم ومواليَهم وأصدقاءَهم".

وإن مما يدل على مترلته ﷺ في القلوب، أن أفسق الناس من أمته يصلي عليه، ويغضب له، ويأبى أن يَسُبَّه، وإليك بعض الأمثلة:
١ - سبَّه أحد القساوسة في دولةٍ غربية، فقام أحد السَّكارى من العراق، فلكم القسيس وسبعةً كانوا معه حتى طرحهم أرضًا، ثم هداه االله وحدثني بقصته في تركيا.

٢ -حدثني أحد الإخوة الفلسطينيين، أن رجلاً حقَّقَ معه أحدُهم، وأمره أن يسب حاكمَه فسبَّه، وما أمره بشيء إلا فعله، ولما قال له قل كذا في حق الرسول ﷺ أبى، وتحمَّل صنوف التعذيب، دون أن يقل في حقه شيئًا، مع أنه لم يكن متديناً.

٣ -جعل السيسي الصلاة عليه دليلًا على أن من يكتب ذلك على سيارته ينتمي لمنظمة إرهابيةٍ محظورةٍ!!، ومع ذلك لم يمح الصلاة عليه أحد ورضي كاتبوها أن يكونوا من نُزلاءِ سجون السيسي التي فيها ما فيها.
 - ضَجَّ الشعب المصري، عندما قال أحمد الزند وزير عدل السيسي وصديقه "أي واحد يخالف القانون لا بد من اعتقاله ولو كان رسول االله –أستغفر االله-"، فاضطر السيسي إلى عزله.

والأمثلة على ذلك كثيرة.

فيا أخي القارئ من الذي يترك هدْيَ مَن هذه بعض مناقِبه، وهذه منزلتُه في القلوب، ويَتبِّع ضلالاتِ المشركين، وخرافاتِ الكافرين من "أرسطو" إلى "ترامب"؟ وهل من دَرْكِ بعد هذا يهوي إليه العقل البشري في مكان سحيق؟
 
[1] سفر الحوالي، المسلمون والحضارة الغربية، ص133 وما بعدها.


أنت الان في اول موضوع

تعليقات