القائمة الرئيسية

ضوابط منهجية لعرض السيرة النبوية



د. محمد موسى الشريف*


فك الله أسره



إن هناك عقدة مستحكمة عند بعض مَن كَتب في التاريخ الإسلامي عامة والسيرة والصدر الأول خاصة، ألا وهي تبرير بعض الأحداث تبريراً واهياً، والاعتذار عن بعضها الآخر اعتذاراً ضعيفاً، وإنما يصنع هذا من صنعه فراراً من اللوم والتقريع من قِبل المستشرقين أو اللا دينيين، أو تحكيماً للعقل المجرد، أو لأنه لم يستطع أن يجعل الحدث الذي يسوقه متفقاً مع القواعد الشرعية والضوابط والمقاصد كما يفهمها، فلجأ إلى التبرير أو الاعتذار.



فبعض الكُتاب قد ذهب إلى أن غزوة تبوك التي جرت في أطراف الجزيرة الشمالية بين النبي ﷺ وصحبه الكرام وبين الروم لكن - لم يقع قتال - ذهب إلى أنها دفاع عن الحدود الشمالية لدولة الإسلام، وأن الجهاد إنما هو جهاد دفع ولم يجعل لجهاد الطلب مكاناً في تاريخ الإسلام!




واعتذر بعضهم عن تزوج النبي ﷺ بجملة من النساء، وبرر ذلك تبريراً ضعيفاً واعتذر عن جملة من الأمور كان ينبغي له أن يعتز بها لا أن يعتذر عنها: «إن ما شرعه الإسلام من الجهاد وغيره حق لا يحتاج إلى اعتذار أو تبرير، حتى لو بدا ذلك غريباً أمام الذهنية المهيمنة على الناس في القرن العشرين، لأننا لا نطوع الإسلام وتاريخه لأذواق الناس واتجاهاتهم الفكرية في عصر معين؛ فما يحبذه الناس في عصر قد ينكرونه في عصر آخر، وما يحسبه أبناء بلدة حسناً يراه سواهم منكراً، والحكم لله ولشرعه وليس لأذواق الناس وأهوائهم، والله غالب على أمره». [السيرة النبوية الصحيحة، 37-38]



مزج أخبار السيرة بالعاطفة



إن المرء ليقرأ بعض كتب السيرة فإذا هي أخبار مسرودة على وجه خالٍ من التفاعل والعاطفة، وكأن الكاتب يسرد حقائق علمية طبيعية، أو أخباراً لحوادث ووقائع لا تمت لتاريخه ودينه ولمرحلة عظمى من تاريخ الإسلام بصِلة، وهذا واقع في كثير من كتب المعاصرين وبعض كتب الأقدمين، وربما كان هذا بسبب غلبة المنهج العلمي الجاف في الكتابة الحديثة.





ولابد في تقديري من كتابة الأخبار النبوية بلغة الحب والعاطفة والأدب الرقيق، ومزجها بالتعبيرات التي تنم عن حب وإجلال وتعظيم، والوقوف بين الفينة والأخرى بين تلك المعاني، والتعليق على جمال تلك المعاني، والتعريج على القلب قبل الكتابة، وتبيين العظمة النبوية وتلك السيادة، وهذا من أجل أن يتفاعل القارئ مع ما يقرأه، ويعتبر بتلك العبر والعظات.





وقد قرأت كتباً في السيرة الشريفة المطهرة، وأقول والله أعلم إني لم أقرأ قط مثل الذي كتبه الأستاذ سيد رحمه الله تعالى في ظلاله مفسراً ومعلقاً على بعض أحداث السيرة، ومثل الذي كتبه الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه «فقه السيرة»، ومثل الذي كتبه الأستاذ أبو الحسن الندوي إلا في بعض كتبه عن بعض الجوانب من سيرة النبي ﷺ، وإنما كان هذا لأن لغة الكتابة راقية، والعواطف جياشة بالمحبة، وكثير من الكلمات تقطر رقة وحناناً، وهذا مطلوب في كتابة السيرة، ومرغوب فيه؛ لأنه يدغدغ المشاعر، ويوقظ العواطف، ويحدث الاستجابة، ويحرك القلوب لاستقبال الموعظة والتوجيه والإرشاد.



وليس هذا بدعاً من القول، أليس هذا هو منهج القرآن الذي أورد آيات الأحكام على هيئة فريدة؟ فقد سبق أكثرها قول الله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا}، وختمت بخاتمة مناسبة للسياق، ووردت مورد التذكير والحض والوعظ، ولم تُسَق مساق القوانين الجامدة، أو الأنظمة الجافة.



الإيجاز مع التشويق



إن نمط الحياة المعاصرة قد فرض على كثير من الصالحين والعاملين والمثقفين أن يقلوا من قراءتهم فلم يبقَ لهم من الوقت للقراءة إلا النزر اليسير، فعلى من يريد أن يكتب في السيرة النبوية أن يراعي هذا الأمر فيأتي بها موجزة ليست طويلة طولاً يمنع من قراءتها ولا قصيرة قصراً مُخلاً بأحداثها، وأن يأتي بها مشوقة مشجعة على القراءة.



هذا ومن أساليب التشويق ما يلي:



١. الاهتمام بالعبر والعظات وسوقها مقرونة مع مع الأحداث.

۲- حُسن التقسيم والتبويب، واجتناب السرد الطويل إلا لما لا بد منه، ويمكن تفريق النص الطويل والتعليق على أجزائه.

۳- جمال العبارة وحُسن الأسلوب، والاستعانة قدر الإمكان بنصوص الأوائل فإنهم رُزقوا ملكة التعبير الحسن والأسلوب الجليل، ورب عبارة يأتي بها الواحد من أولئك تترك من الأثر ما لا تتركه صفحة من صفحات كتب مَن بعدهم.

٤- جمال الطباعة وحسن الخط.

٥- الاقتباس من كتابات أهل العاطفة الجياشة، كما بينت ذلك في الضابط السابق، وذلك لما لحديث العواطف من قبول في القلوب والعقول.



شمول العرض لأحداث السيرة كلها

إن السيرة النبوية هي عرض لحياة سيد البرية، وهي حياة شاملة في جوانبها؛ ففيها:

القيادة الدينية: التشريع والإفتاء والقضاء والإمامة وتعليم القرآن.

وفيها القيادة السياسية: قيادة الدولة والشورى، والتعامل مع القوى الأخرى داخل الجزيرة وخارجها.

وفيها القيادة الاجتماعية: توثيق العلاقات بأفراد المجتمع، وفض النزاعات.

وفيها القيادة العسكرية: وضع الخطط، وتولي قيادة المعارك، والتوجيه، والإشراف.

وفيها القيادة الدعوية: النصح، والإرشاد، وتحريك المجتمع للعمل لدين الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.



وفيها معالم الأخلاق الحميدة كلها. وفيها جوانب إيمانية وروحانية لا مثيل لها ولا مزيد عليها. وفيها الحياة الأسرية السعيدة الشاملة للأزواج والأولاد والأحفاد.



وهكذا نجد أن جوانب حياته ﷺ فيها شمول لكل جوانب الحياة على وجه غير مسبوق؛ إذ ليس لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله هذا الشمول، فيما نعلم، ولا ما يقاربه؛ وذلك لحِكَم، منها أن الله تعالى أراد لهذه الرسالة أن تكون خاتمة الرسالات، وأراد سبحانه أن تكون صالحة لكل زمان ومكان، فلا بد إذن أن يكون لصاحب هذه الرسالة المشاركة في جوانب الحياة كلها بل رفعها إلى قمة سامقة لم تكن البشرية تعرفها من قبل. ولهذا فإن من يريد التأليف في السيرة اليوم لا بد له من تناول حياة النبي ﷺ على هذا الوجه من الشمول، وعلى تلك الدرجة من الرفعة، فلم يعد يصلح اليوم في ظني - والله أعلم - أن تساق أحداث السيرة سوق الأقدمين لها كابن إسحاق وابن هشام وابن سعد وأضرابهم رحمهم الله تعالى، ممن ساقوا أحداث السيرة مساقاً تاريخياً حولياً مجرداً من التعريج على كثير مما ذكرته آنفاً من جوانب الشمول في سيرته ﷺ.



وكذلك لم يعد مناسباً في ظني، والله أعلم أن تثبت جوانب معينة من السيرة في الحركة والتربية والفقه والعظات منزوعة من سياقها التاريخي الكامل، بل لا بد من مؤلَّف يجمع كل جوانب السيرة المطهرة مهما كان هذا المؤلف ضخماً متعدد الأجزاء؛ وذلك أنه لا غِنى لنا عن فَهم السيرة فهماً شاملاً لكل جوانبها بدون تجزئة.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* محمد موسى الشريف، دراسات تاريخية منهجية نقدية، (ص487- 492).

تعليقات